الشيخ محمد رشيد رضا
79
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بَعْدِ ما جِئْتَنا . قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * * * خاف ملأ فرعون عاقبة تركه لموسى حرا مطلقا في مصر فكلموه في ذلك وقد أخبرنا اللّه تعالى بما قالوه له وما أجابهم به وما كان من تأثير جوابه في موسى وقومه من نصحه لهم وما دار بين موسى وبينهم في ذلك فقال وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ؟ اي قالوا له أتترك موسى وقومه أحرارا آمنين لتكون عاقبتهم ان يفسدوا قومك عليك في أرض مصر بادخالهم في دينهم ، أو جعلهم تحت سلطانهم ورياستهم ، ويتركك مع آلهتك كالشئ اللقا ، فيظهر للمصريين عجزك وعجزها ، وقد رأيت ما كان من أمر ايمان السحرة - إذ الظاهر من السياق أن هذا القول كان بعد قصة السحرة - وسيأتي ما فيه . وجمهور المفسرين على المراد بتركه وآلهته عدم عبادته وعبادتها ، وقرأ ابن عباس ( وإلاهتك ) أي عبادتك . ومن المعلوم من التاريخ المستمد من العاديات المستخرجة من أرض مصر انه كان للمصريين آلهة كثيرة منها الشمس واسمها في لغتهم ( رع ) وهو متضمن في لقب فرعون فهو عندهم سليل الشمس وابنها ، وسننقل بعد جوابه لهم أثرا يدل على ذلك ويذكر فيه بعض هذه الآلهة قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي قال مجيبا للملأ سنقتل أبناء قومه تقتيلا ما تناسلوا - فتعبيره بالتقتيل يدل على التكثير والتدريج - ونستبقي نساءهم أحياء كما كنا نفعل من قبل ولادته حتى ينقرضوا . وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ وانا مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان قاهرون لهم كما كنا من قبل فلا يستطيعون افسادا في ارضنا ، ولا خروجا من حظيرة تعبيدنا . وفي سورة المؤمن ( وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ : إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ) وهو يدل على أنه كان لديه من يدافع عن موسى ممن آمن به سرا وممن كان يحبه وان لم يؤمن به فقد قال تعالى له ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) وفيه تصريح بما كان له في أنفس